الطابق الأخير

مختارة بقلم فريق إدارة الموقع · · 24 مشاهدة
صورة لقصة الطابق الأخير

في اليوم الذي قررت فيه سلمى أن تبيع شقة جدّتها، صعدت إلى الطابق السابع لآخر مرة.

المصعد كان معطلاً منذ سنوات — كالعادة — فصعدت على الدرج، عتبة عتبة، تعدّ الطوابق بأنفاسها. كل طابق كان يستقبلها برائحة مختلفة: الأول رائحة زيت القلي من شقة أبو العبد، الثاني رائحة البخور من بيت الحاجة كوثر، الثالث رائحة الدهان الطازج لأن المالك الجديد يجدد كل شيء، الرابع بلا رائحة — شقته مقفلة منذ هاجر أصحابها، الخامس رائحة الياسمين من أصيص على الشباك، السادس رائحة السجائر والوحدة، ثم السابع — طابق جدتها — رائحة الزمن.

لا يمكن وصف رائحة الزمن لمن لم يشمّها. هي ليست رائحة عفن ولا قدم ولا غبار. هي أعمق من ذلك. هي الرائحة التي تبقى حين تُنزع كل الروائح الأخرى — جوهر ما كان.

فتحت الباب. الشقة كانت كما تركتها جدتها قبل ستة أشهر حين نقلوها إلى المستشفى ولم تعد. البلاط البارد بنقوشه الهندسية. الستائر المخملية الثقيلة التي لم تفتحها جدتها أبداً لأنها كانت تقول: «الشمس تُفسد الأثاث وتفضح التجاعيد.» الأريكة الخضراء التي جلس عليها كل من زار هذا البيت في آخر خمسين سنة. والراديو — ذلك الراديو البني الضخم بأزراره الذهبية — الذي كانت الجدة تصرّ على أنه يعمل رغم أنه لا يلتقط إلا تشويشاً منذ التسعينيات.

جاءت سلمى لتفرّغ الشقة قبل البيع. كانت قد اتفقت مع المشتري: شاب في الثلاثين يريد هدمها وتحويلها إلى «ستوديو مفتوح» — مصطلح لا تفهمه سلمى ولا يهمها أن تفهمه. المهم أنه سيدفع مبلغاً محترماً يكفي لتغطية فواتير المستشفى التي لم تُدفع ورسوم المدرسة الخاصة لابنتها وما تبقى من ديون لا تنتهي.

بدأت بالمطبخ. فتحت الخزائن فوجدت عالماً منسياً: علب بهارات انتهت صلاحيتها قبل عقد، صحون من الخزف الرقيق الذي كانت الجدة تخبّئه «للمناسبات» — مناسبات لم تأتِ أبداً. فناجين قهوة تركية بحواف ذهبية باهتة. وفي الزاوية، مغلفة بجريدة قديمة، وجدت طنجرة الضغط النحاسية التي كانت الجدة تصنع فيها الملوخية كل جمعة.

رائحة الملوخية عادت فجأة. ليس من الطنجرة — من الذاكرة. مريم في السادسة من عمرها تجلس على كرسي مرتفع في هذا المطبخ تراقب جدتها وهي تفرم أوراق الملوخية بالمخرطة. صوت المخرطة — تك تك تك تك — منتظم كنبض قلب. والجدة تقول: «الملوخية يا ستّي بدها صبر. إذا استعجلتي بتطلع خشنة. خليها تنفرم ناعم ناعم مثل الحرير.»

وضعت سلمى الطنجرة جانباً. لن تبيعها. هذه ستأخذها معها.

انتقلت إلى غرفة النوم. السرير العالي بأعمدته الخشبية. الشرشف الأبيض المطرّز بخيوط بنفسجية — من عمل يدي الجدة نفسها. خزانة الملابس الضخمة التي كانت في طفولتها تخاف من فتحها لأنها تخيّلت أن داخلها عالماً آخر مثل خزانة نارنيا. فتحتها الآن بيد بالغة. وجدت ثياب جدتها المعلقة بعناية: الفساتين الداكنة المحتشمة، المعاطف الثقيلة، والثوب الفلسطيني المطرّز الذي لم تلبسه الجدة أبداً لكنها أحضرته معها حين جاءت إلى بيروت سنة ثمانية وستين. «هذا من يافا»، كانت تقول. «من بيت أمي. هذا ما أخذته حين طلعنا.»

أنزلت سلمى الثوب بحذر. كان ثقيلاً بشكل غير متوقع. ثقيل بالتطريز وبالذاكرة وبالأرض التي لم ترها الجدة مرة أخرى. وضعته على السرير. لن تبيعه. هذا أيضاً سيبقى.

في الدرج السفلي من الخزانة، تحت طبقات من المناشف القديمة، وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً. لم تره من قبل. فتحته فوجدت رسائل. عشرات الرسائل مطوية بعناية، بعضها بظروف وبعضها بدون. أخرجت واحدة وفتحتها. الخط كان جميلاً ومنمّقاً — خط رجل.

«حبيبتي فاطمة. أكتب إليكِ من الكويت. الشغل صعب لكن كل ما أفكر فيه إنتي والولاد. بعتلك مع أبو سليم مبلغ تكفّي فيه الإيجار والمصاريف. لا تحرمي الولاد شي. أنا برجع بعد ستة أشهر إن شاء الله. وحشتيني يا فاطمة. والله وحشتيني.»

فاطمة — اسم جدتها الحقيقي الذي لم يكن أحد يستخدمه. الكل كان ينادي عليها «أم سعاد». حتى سلمى نفسها لم تكن تعرف أن جدتها لها اسم غير ذلك. فاطمة. اسم يناديها به رجل يحبها. جدها الذي مات قبل أن تولد سلمى.

قرأت رسالة أخرى:

«فاطمة يا عمري. اليوم كان عيد ميلاد سعاد. أنا ما نسيت. اشتريتلها فستان أحمر صغير من السوق. ببعثه مع أول واحد مسافر. قوليلها بابا بحبها كثير وبوسيها من عندي عيونها وخدودها.»

سعاد — أم سلمى. التي ماتت في حادث سير وسلمى في الرابعة عشرة. فستان أحمر صغير... أين ذهب؟

قرأت رسالة ثالثة ورابعة وخامسة. كل رسالة كانت نافذة على حياة لم تعرفها. جدها الذي كان يشتغل في البناء في الكويت ليعيل عائلته في بيروت. الذي كان يكتب بخط جميل رغم أنه لم يكمل المدرسة. الذي كان يحب جدتها حباً واضحاً وبسيطاً ومباشراً — حباً لا يحتاج شعراً ولا بلاغة، فقط كلمات صادقة: «وحشتيني»، «ما بنساكِ»، «إنتي كل شي».

في آخر الصندوق وجدت رسالة مختلفة. بظرف أبيض مغلق عليه اسم سلمى نفسها بخط جدتها الكبير المرتجف.

«إلى سلمى حبيبتي.
إذا لقيتي هالرسائل معناتها أنا رحت وإنتي عم تفضّي الشقة. بعرف إنك مستعجلة تبيعي وبعرف إنك محتاجة المصاري. لا تزعلي على الشقة يا ستّي. الشقة حجارة وبتنهدّ يوم. بس الذكريات يللي فيها ما بتنهدّ إذا حملتيها معك.

خذي صندوق الرسائل. هدول رسائل جدك الله يرحمه. ما حكيت عنهم لحدا لأنهم كانوا إلي أنا بس. بس هلق بدي ياكِ تعرفي إنه كان في حدا بحبني. لأنك ساعات بتبيّني إنك ناسية إنك من عيلة فيها حب. ما كان عنا كثير مصاري ولا بيوت كبار ولا سيارات. بس كان عنا حب. وهاد أكبر ميراث.

بحبك يا سلمى. ودايماً بحبك. جدتك فاطمة.»

جلست سلمى على أرض غرفة النوم وبكت.

لم تبكِ هكذا من سنوات. بكت على جدتها التي رحلت وعلى أمها التي رحلت قبلها وعلى جدها الذي لم تعرفه وعلى نفسها — على نفسها التي كانت تظن أن الحياة فقط فواتير وديون ومصاريف مدارس وعتبات مصعد معطل.

بعد ساعة، مسحت وجهها ووقفت. أخذت هاتفها واتصلت بالمشتري.

— أستاذ وليد؟ أنا سلمى. بخصوص الشقة...

— أهلاً يا مدام سلمى. إن شاء الله ما في مشكلة؟

— في مشكلة. ما رح أبيعها.

— كيف؟ اتفقنا!

— أعرف. بس أنا غيّرت رأيي. الشقة مش للبيع.

أقفلت الخط قبل أن يردّ.

نظرت حولها. الغبار، الستائر الثقيلة، الراديو المعطل، السرير العالي، ورائحة الزمن. كلها ما زالت هنا. كلها تنتظر.

فتحت الستائر لأول مرة منذ سنوات. دخلت الشمس كضيفة طال غيابها. أضاءت ذرات الغبار المتطايرة فبدت كأنها نجوم مصغرة ترقص في الهواء.

ثم فعلت شيئاً غريباً: ذهبت إلى الراديو القديم وأدارت زرّه. تشويش. تشويش. ثم — بالصدفة أو بالمعجزة أو بإرادة جدّة تراقب من مكان ما — التقط محطة. أغنية قديمة لفيروز:

«بيتي أنا بيتك... وبيتك أنا بيتي...»

ابتسمت سلمى.

وضعت صندوق الرسائل والثوب المطرز وطنجرة الملوخية على الأريكة الخضراء. ثم أخرجت من حقيبتها دفتراً ذا غلاف أزرق وقلماً، وجلست عند النافذة المفتوحة حديثاً، والشمس تدفئ وجهها، وبدأت تكتب.

لم تكتب قائمة مهام أو حسابات. كتبت رسالة.

«عزيزتي جدتي فاطمة. وصلت رسائل جدي. وصلت رسالتك. وصل الحب الذي خبأتيه في الصندوق كل هذه السنوات. أنا آسفة لأنني كدت أبيع البيت. ما كنت أعرف أن البيوت تحكي. هلق بعرف.

شقتك مش رح تنباع يا ستّي. رح ترجع تفتح أبوابها. رح أجيب ليلى بنتي تلعب فيها كما كنت ألعب أنا. رح أعمل ملوخية بطنجرتك. رح أفتح الستاير كل يوم. ورح أخلي الراديو يشتغل حتى لو ما فيه غير تشويش — لأن التشويش أحياناً أحلى من الصمت.

بحبك. سلمى.»

طوت الرسالة ووضعتها في الصندوق الخشبي، بجانب رسائل جدها.

لأن الصندوق، مثل الشقة، مثل العائلة — يتسع دائماً لرسالة أخرى.

تقييم المجتمع

10,0
من 10

2 صوت

سجّل دخولك للتصويت على هذه القصة.

التعليقات 1

سجّل دخولك لترك تعليق.

عمر ابو عساف

الله الله! من أجمل ما قرأت.