المقهى الذي يتذكّر

مختارة بقلم فريق إدارة الموقع · · 17 مشاهدة
صورة لقصة المقهى الذي يتذكّر

في الزاوية الشرقية من حيّ القيمرية، حيث تتشابك الأزقة كأوردة على ظهر يدٍ عجوز، كان مقهى «أبو خليل» يقف منذ ما يزيد عن سبعين عاماً. ليس مقهىً بالمعنى الذي يعرفه الناس اليوم — لا واي فاي ولا لافتات نيون ولا قوائم بلغاتٍ أجنبية — بل حجارة سوداء تتعرّق في الصيف، وموقدُ حطبٍ يئنّ في الشتاء، وصوتُ فيروز يتسرّب من مذياعٍ لم يعد أحدٌ يصنع مثله.

كان أبو خليل نفسه قد رحل قبل عشرين سنة، لكن ابنه خليل ورث المكان كما يرث الإنسان ملامح وجهه — لم يختر ذلك، لكنه لم يستطع الهروب منه. كان خليل في الخامسة والخمسين، نحيلاً طويلاً، يمشي ببطء كمن يحسب خطواته حتى لا يدوس على ذكرى أحد. عيناه بلون القهوة التي يصنعها — قاتمتان وعميقتان ومرّتان بلا سكر.

كل صباح، قبل أن تستيقظ الشمس، كان خليل يفتح باب المقهى بالمفتاح النحاسي الثقيل الذي كان أبوه يعلّقه في رقبته. يدفع الباب الخشبي فيصدر أنيناً مألوفاً، كأن المقهى يتثاءب بعد نومٍ طويل. ثم يشعل الموقد، ويضع الركوة النحاسية على النار، ويبدأ طقسه اليومي: قهوة أولى لنفسه يشربها واقفاً عند العتبة، ينظر إلى الزقاق وهو يتنفّس ببطء.

في ذلك الصباح من تشرين، جاء رجل لم يره خليل من قبل. كان في الستين تقريباً، يرتدي معطفاً رمادياً أنيقاً لا يتناسب مع غبار الحي. دخل بخطواتٍ مترددة، كمن يدخل بيتاً هجره منذ زمن بعيد ولا يعرف إن كانت أشباحه ما زالت تسكنه.

— صباح الخير. هل هذا مقهى أبو خليل؟

نظر إليه خليل من فوق حافة فنجانه.

— أبو خليل مات من عشرين سنة. أنا ابنه.

جلس الرجل على المقعد الخشبي المقابل للنافذة — المقعد نفسه الذي كان أبو خليل يجلس فيه — وطلب قهوة «سادة ثقيلة». خليل لاحظ أنه طلبها بالطريقة القديمة. لم يقل «بدون سكر» كما يقول جيل اليوم. قال «سادة ثقيلة»، تماماً كما كان يقولها رجال الحي في السبعينيات.

بينما كان خليل يصبّ القهوة، تكلّم الرجل بصوتٍ خافت:

— كنتُ أجيء إلى هنا وأنا طفل. كان أبي يجلسني على ركبته في تلك الزاوية... هل ما زالت الساعة الحائطية موجودة؟

نظر خليل إلى الجدار. الساعة كانت هناك — ساعة «يونغانز» ألمانية بعقارب ذهبية، توقفت عن العمل في التسعينيات لكن لم يُنزلها أحد.

— موجودة. لكنها واقفة.

— أعرف. توقفت في الساعة الرابعة وعشر دقائق. كانت تلك ساعة وفاة جدّي. أوقفها أبي بيده في ذلك اليوم وأقسم ألا يعيد تشغيلها.

جلس خليل ببطء. لم يكن يعرف هذه القصة. كان يظن دائماً أن الساعة تعطلت وحدها.

— من أنت؟

— اسمي باسل. باسل العطار. كان أبي صديق أبيك.

الاسم فتح باباً في ذاكرة خليل. العطار — نعم، كان يسمع هذا الاسم كثيراً في طفولته. «أبو باسل» كان يأتي كل مساء، يلعب الطاولة مع أبيه، ويتجادلان بصوتٍ عالٍ حول السياسة حتى تتدخل أم خليل من فوق وتصرخ: «يا عيب الشوم، الجيران ناموا!»

— أبو باسل... أذكر الاسم. كان يأتي كل يوم تقريباً.

ابتسم باسل ابتسامة من يجد ما فقده.

— كل يوم بلا استثناء. حتى في أيام القصف. كان يقول: «القهوة مع أبو خليل أهم من أي قذيفة». ثم هاجرنا في الثمانينيات إلى البرازيل. أنا عدت لأول مرة منذ أربعين سنة.

صمتا لحظة. القهوة بينهما تصاعد منها بخار كأنه روح تحاول أن تحكي.

— هل تعرف ماذا كان أبي يقول عن هذا المقهى؟

هزّ خليل رأسه.

— كان يقول: «المقهى لا ينسى أحداً جلس فيه. كل كرسي يتذكر صاحبه. وإذا عدت بعد مئة سنة، ستجد فنجانك في مكانه.»

شعر خليل بشيء غريب — ليس حزناً بالضبط، ولا فرحاً، بل شيء أعمق من كليهما. شعر بأن المقهى ليس مجرد جدران وكراسي وأركيلة. المقهى ذاكرة حيّة، وهو مجرد حارس لها.

مرّت الساعات. حكى باسل عن البرازيل وعن الحنين الذي لا يُشفى، وعن رائحة الهال التي كان يشمّها أحياناً في شوارع ساو باولو بلا سبب فيبكي. وحكى خليل عن الحرب وعن الأيام التي كان المقهى فيها هو الملجأ الوحيد — ليس من القذائف، بل من الوحدة.

عند الغروب، وقف باسل ليرحل. أخرج من جيبه ظرفاً قديماً مطوياً ووضعه على الطاولة.

— هذه رسالة من أبي إلى أبيك. كتبها قبل أن يموت في البرازيل. طلب مني أن أوصلها يداً بيد. تأخرت كثيراً... لكنها وصلت.

أخذ خليل الظرف بيدين ترتجفان. لم يفتحه أمام باسل. انتظر حتى خرج الرجل وأغلق الباب خلفه، ثم جلس في مكان أبيه، تحت الساعة المتوقفة، وفتح الرسالة.

كانت بضعة أسطر بخطٍ مرتجف:

«يا أبو خليل، يا رفيق العمر. ما نسيتك يوماً. القهوة هنا لا تشبه قهوتك، والضحك هنا لا يشبه ضحكنا. أرجو أن تسامحني لأنني لم أعد. البلاد بعيدة يا صديقي، لكن المقهى قريب... المقهى دائماً قريب.»

مسح خليل دمعة بطرف كمّه. ثم نظر إلى الساعة المتوقفة على الحائط ونهض ببطء. فتح الزجاجة الأمامية وحرّك العقرب الطويل بإصبعه.

بدأت الساعة تدقّ من جديد.

لم يُصلحها. لم يغيّر بطاريتها. فقط لمسها بأصابع مَن يعرف أن الوقت لا يتوقف حقاً — إنه فقط ينتظر أن يعود أحد.

في تلك الليلة، للمرة الأولى منذ سنوات، لم يُغلق خليل المقهى في العاشرة كعادته. تركه مفتوحاً. ترك الضوء مشتعلاً والباب موارباً.

لأن المقهى الذي يتذكّر... يجب ألّا ينام أبداً.

تقييم المجتمع

من 10

0 صوت

سجّل دخولك للتصويت على هذه القصة.

التعليقات

سجّل دخولك لترك تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشاركنا انطباعاته!