لم تكن مريم تعرف أنها تكتب على السماء حتى بلغت العاشرة.
كان ذلك في مساء صيفي على سطح بيتهم في صيدا، حين مدّت إصبعها نحو القمر ورسمت حرف الميم في الهواء — ميم مريم — فرأت الحرف يبقى معلّقاً للحظة، خيطاً فضياً رفيعاً يرتجف ثم يذوب. ظنّت أنها تتخيّل. لكنها جرّبت ثانية، ورسمت حرف الراء، فبقي أطول هذه المرة. أكملت اسمها كاملاً: م ر ي م. أربعة أحرف فضية معلّقة فوق أسطح المدينة كأنها نجوم ولدت للتو.
فزعت ونزلت راكضة إلى أمها.
— ماما! كتبت اسمي على السماء!
أمها كانت تقشّر البطاطا عند المغسلة. نظرت إليها بعينين متعبتين ولم تبتسم ولم تعبس. قالت فقط:
— لا تكتبي على السماء يا مريم. السماء ليست ورقتك.
لم تفهم مريم لماذا. كانت أمها دائماً هكذا — تمنعها من أشياء بلا أسباب. لا تلعبي عند البئر القديم. لا تفتحي الصندوق في العلّية. لا تسألي عن أبيكِ. ومريم كانت تطيع، ليس لأنها مقتنعة بل لأن صوت أمها حين تمنع يصبح كجدار — صلباً ومغلقاً ولا فائدة من دفعه.
لكنها لم تستطع أن تتوقف عن الكتابة.
في البداية كانت تكتب سراً. تصعد إلى السطح بعد منتصف الليل حين تنام أمها، وتكتب كلمات صغيرة: «قمر»، «بحر»، «وحدة». كانت الكلمات تسطع لثوانٍ ثم تتلاشى كأنفاس على زجاج بارد. لكن مع الوقت، بدأت تتعلم كيف تجعلها تدوم أطول. اكتشفت أن الكلمات المكتوبة بشعور حقيقي تبقى أكثر. «وحدة» كانت تبقى دقائق كاملة. «أبي» كانت تبقى حتى الفجر.
حين بلغت الخامسة عشرة، كانت تستطيع كتابة جملٍ كاملة. جلست ذات ليلة على حافة السطح ومدّت يدها وكتبت: «أين ذهب أبي؟» — أربع كلمات بقيت معلقة في السماء حتى شروق الشمس. ظنّ الجيران أنها شهب. لكن أمها حين صعدت في الصباح لنشر الغسيل، رأت الأحرف تتلاشى مع أول شعاع، وعرفت.
لم تصرخ. لم تعاقبها. جلست على الكرسي البلاستيكي القديم ونظرت إلى ابنتها بعينين ممتلئتين بشيء لا تعرف مريم إن كان خوفاً أم حزناً أم شيئاً ثالثاً لا اسم له.
— أنا منعتك لأنني أخاف عليكِ.
— من ماذا؟
— من نفسك. أبوكِ كان يكتب مثلك.
كانت هذه أول مرة تتحدث أمها عن أبيها بجملة كاملة.
— كان يكتب قصائد على السماء. في البداية كلمات صغيرة، مثلك. ثم بدأ يكتب أبياتاً كاملة. كان الناس في البلدة يرفعون رؤوسهم ويقرأون شعره كل ليلة. صار مشهوراً. صاروا يسمّونه «شاعر السماء». لكنه لم يكن يكتب ليقرأه الناس. كان يكتب لأنه لا يستطيع ألّا يكتب.
صمتت لحظة ثم أكملت:
— ذات ليلة كتب قصيدة طويلة جداً. أطول مما كتب في حياته. قصيدة عن الحرية والمنفى والأرض. بقيت في السماء ثلاثة أيام. لم تختفِ حتى مع الشمس. قرأها العالم كله. وبعدها... جاؤوا وأخذوه. قالوا إن كلماته تخيف الناس. قالوا إنه يكتب على ملكية عامة بدون إذن.
ابتسمت أمها ابتسامة مكسورة.
— السماء ملكية عامة! ألم يكن ذلك مضحكاً؟
— وماذا حصل له؟
— لا أعرف. أخذوه ولم يعد. كنتِ في بطني وقتها. لم تريه أبداً.
جلست مريم بجانب أمها. لأول مرة فهمت لماذا كانت أمها تمنعها. لم تكن تمنعها من الكتابة — كانت تمنعها من الاختفاء.
لكن مريم لم تستطع التوقف.
في الجامعة درست الأدب العربي. قرأت المتنبي ودرويش ونزار والسيّاب. لكنها كانت تعرف أن شيئاً فيها مختلف. الشعراء يكتبون بالحبر على الورق. هي تكتب بالنور على الفراغ. كلماتها لا تُقرأ — تُرى. لا تُمسك — تُحسّ.
في الثلاثين من عمرها، كانت مريم تعمل مدرّسة لغة عربية في مدرسة صغيرة. حياة هادئة ومحدودة وآمنة. كل يوم تعلّم الأطفال قواعد الإملاء والنحو وتتركهم يكتبون إنشاءات عن الربيع والأم والوطن. وكل ليلة تصعد إلى سطح شقتها وتكتب على السماء أشياء لا تجرؤ على قولها في النهار.
كتبت: «أريد أن أحب بلا خوف.»
كتبت: «الصمت ليس سلاماً. الصمت أحياناً قبر.»
كتبت: «هل يسمعني أبي من حيث هو؟»
كانت تكتب بالعربية دائماً. لأن العربية حين تُكتب في الهواء تصبح مختلفة — الحروف تتصل ببعضها كأنها ترقص، والنقاط تصبح نجوماً صغيرة، والحركات تهمس.
ذات ليلة، في تشرين الأول، حين كان الهواء بارداً والسماء صافية صفاءً نادراً، قررت مريم أن تكتب قصيدة لأبيها. ليست كلمة أو جملة — قصيدة كاملة. عرفت أن هذا خطير. عرفت ما حصل لأبيها. لكنها شعرت أنها إن لم تفعل، ستموت من الداخل ببطء. هناك أنواع كثيرة من الموت، وأبطأها أن تملك صوتاً ولا تستخدمه.
وقفت على السطح ومدّت يديها الاثنتين هذه المرة — لأن القصيدة تحتاج كلتا اليدين — وبدأت تكتب:
«يا أبي الذي ما رأيته يوماً
أكتبُ إليكَ على الورقة نفسها التي كتبتَ عليها
السماء — يا أبي — لم تمحُ كلماتك
طوتها فقط في جيبها
كما تطوي الأم رسائل ابنها المسافر
وتبكي عليها سراً.»
بقيت الكلمات معلقة. لم تتلاشَ. بل بدأت تنتشر — حرفاً حرفاً — كأن الريح تنقلها من سماء صيدا إلى سماء بيروت إلى سماء دمشق إلى سماء القاهرة إلى سماء بغداد. كل من نظر إلى الأعلى في تلك الليلة رآها. ليس بالعيون فقط — بالقلب.
في الصباح، كان العالم يتحدث عن الكلمات التي ظهرت في السماء. البعض قال إنها ظاهرة فلكية. البعض قال إنها قمر صناعي. البعض قال إنها معجزة. لكن الشعراء عرفوا. الشعراء يعرفون دائماً.
انتظرت مريم أن يأتوا ويأخذوها كما أخذوا أباها. جلست عند الباب ولم تنم. مرّ يوم. يومان. أسبوع. لم يأتِ أحد. ربما لأن الزمن تغيّر. أو ربما لأن كلماتها لم تكن عن الحرية والمنفى والأرض — كانت عن شيء أبسط وأصعب: كانت عن الحب. وحب الأب لا يخيف أحداً.
أو ربما... ربما لأن أحداً ما — في مكانٍ ما — قرأ القصيدة وبكى. وحين يبكي حارس السجن، يفتح الباب بدلاً من أن يغلقه.
بعد ذلك بشهر، وصلت رسالة إلى بيتها. ظرف عادي بلا عنوان مرسِل. فتحته فوجدت ورقة واحدة مكتوبة بخطٍ يشبه خطها — لأنها ورثته كما ورثت الكتابة على السماء:
«يا مريم. وصلت كلماتك. أراها من هنا. أبوكِ الذي يحبّك.»
لم تعرف مريم إن كانت الرسالة حقيقية أم حلماً. لكنها صعدت إلى السطح في تلك الليلة وكتبت حرفين فقط في السماء:
أ ب
بقيا حتى الصباح.
وبعض الجيران يقسمون أنهم رأوا، بجانب الحرفين، حرفين آخرين لم تكتبهما مريم. كأن أحداً ردّ عليها من الجهة الأخرى:
ب ن ت ي